النفط في البحر… والحياد في القمقم: واقعية الدولة الممكنة
تتجه الأنظار اليوم نحو الجنوب اللبناني، ليس باعتباره خط تماس تقليدي مع إسرائيل فحسب، بل كمساحة يُعاد رسمها تحت عنوان “المنطقة الاقتصادية”. في الظاهر، يبدو المشروع تنمويًا، يَعِد بالاستثمار والاستقرار، لكن في الواقع هو خطوة نحو تحويل الجنوب إلى فضاء رمادي تُدار فيه المصالح أكثر من السيادة. الرؤية الإسرائيلية، ومن خلفها بعض الدول الحليفة، تميل إلى ربط الأمن بالاستثمار، والسيادة بالشراكة، والحدود بالمنافع المتبادلة، بينما يبقى القرار اللبناني معلّقًا بخيوط خارجية لا يستطيع التحكم بها.
لكن يبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن للبنان أن يمارس حيادًا فعليًا، بينما إسرائيل تتعدى على الجنوب يوميًا، وتفرض واقعًا جديدًا عبر الاعتداء على الحدود والمياه الاقتصادية؟ ففي الأشهر الماضية، شهد الجنوب سلسلة من الحوادث التي شملت الاستيلاء على مواقع بحرية، التدخل في أنشطة التنقيب، ومراقبة السفن اللبنانية من قبل القوات الإسرائيلية، كل ذلك تحت ذرائع أمنية أو حماية لمشاريع الطاقة. هذا الواقع يفرض أن الحياد ليس شعارات سياسية أو بيانات رسمية، بل يحتاج إلى أدوات حماية فعلية، مؤسسات قوية، وإرادة صلبة تستطيع الصمود أمام التدخلات الخارجية، وإلا يبقى الحياد مجرد نظرية على الورق.
ماذا لو كان النفط هو السبب الحقيقي لما يحدث في لبنان؟ فكلما اقترب لبنان من تحويل ثرواته النفطية والغازية في البحر إلى واقع اقتصادي، تزايدت الضغوط والانقسامات. البحر الذي حلمنا أن يكون خلاصًا، عاد ليعكس هشاشتنا الداخلية، وكأن المارد الذي ينتظره اللبنانيون سيخرج ليحمل لهم صورتهم كما هي، لا كما يتمنونها.
لبنان بلدٌ لم يتفق بعد على معنى موحد للسيادة. فالنفط أصبح مرآة أخرى لصراعاته القديمة، بين من يراه فرصة للإنقاذ، ومن يخشاه بوابة لتدويل جديد. إسرائيل، التي لم تُخفِ أطماعها، تُعيد رسم خريطة نفوذها في شرق المتوسط عبر مشاريع الطاقة والتحالفات الاستراتيجية، وحتى بعد اتفاق ترسيم الحدود عام 2022، لم تهدأ اللعبة. وإذا كانت إسرائيل لا تتوقف رغم الحياد، فما جدواه إذًا؟ وهل يُجدي الحياد في بيئةٍ لا ترى فيه إلا ضعفًا أو فراغًا؟
قد يكون الحياد، رغم تناقضاته، محاولة لبناء مناعة داخلية أكثر مما هو سياسة خارجية. فالبلد الذي لا يملك القدرة على المواجهة العسكرية يمكنه أن يواجه سياسيًا بالثبات على سيادته القانونية وبترميم مؤسساته. الحياد هنا ليس انسحابًا بل أسلوب مقاومة هادئة، يعترف بالواقع من دون أن يستسلم له.
لكن المعضلة تبقى داخلية قبل أن تكون خارجية. فكيف يمكن لدولة منقسمة على نفسها أن تحافظ على حيادها أو تدير ثرواتها بشفافية؟ كيف يمكن لنظام طائفي يرى في كل مورد فرصة لتقاسم النفوذ لا لبناء الدولة أن يحمي الثروات من التبديد؟
السؤال الأعمق إذًا: هل يستطيع لبنان أن يطوّع ثروته بدل أن تُطوّعه هي؟ التجارب العربية كثيرة: فالتاريخ يذكر كيف حول النفط في العراق وليبيا وأماكن أخرى بين نعمة اقتصادية ونقمة سياسية، حين غابت الدولة الحاضنة. واللبنانيون الذين ينتظرون مارد البحر ليُنقذهم، قد يصدمهم أنه حين يخرج، سيحمل لهم صورتهم كما هي، لا كما يتمنونها.
وهكذا تتقاطع المعادلة: نفطٌ في البحر وحيادٌ في القمقم. الأول يحتاج إلى دولة تحميه، والثاني يحتاج إلى سيادة وثقة لتجسيده. فلا نفط من دون دولة، ولا حياد من دون قرار. الدولة الممكنة هي التي تُدير ضعفها بحكمة، وتحوّل حيادها إلى رصيد استراتيجي، لا إلى شعار على الورق.
خلاص لبنان لن يكون في الانسحاب من الصراعات ولا الانخراط فيها، بل في القدرة على إدارتها بعقل بارد ونَفَس طويل. حينها فقط، يصبح الحياد حماية لا تنازلًا، والنفط فرصة لا عبئًا. وعندها قد يكتشف لبنان أن البحر الذي خاف منه يمكن أن ينقذه، وأن الحياد الذي بدا ضعفًا قد يكون في النهاية أذكى أشكال القوة.
